إن الطبيب كما نعلم إنسان اعطاه الله علماً نافعاً و قلباً واسعاً و رحمةً و رأفة لبني جلدته من البشر بأي اختصاص كان فهو أكثر الناس دراية بطعم الآلام و الأوجاع و ما تفعله برجل أو امرأة شاب أو عجوز أو طفل و ذلك بحكم عمله و تواصله مع المرض .
إن الأنسان متنوع الطباع إما متكبراً أو متواضعاً و إما قاسياً أو رحيماً ، فقيراًو غنياً ، بخيلاً كان أم كريماً و لكنه يبقى إنساناً بروحه و نفسه و بدنه ، فقد خلقنا الله كنفس واحدة فمن منا لم تذرف عيناه لأم ثكلت طفلها أو لطفل فقد أحد أبويه أو لمظلوم يشكو مظلمته أو مريض أضناه الألم و السهر و الحمى فنحزن لحزنهم و نغضب لظلمٍ ، نفزع لملهوف لا بل قد يلقى أحدنا نفسه في نهر أو بحر ينقذ غريقاً أو يجابه بلا خوف حريقاً أو وحشاً مخيفاً بدافع المروءة و النخوة التي وجدتا بالغريزة في الأنسان ، فإن تجرد الأنسان من بعض أنسانيته فإن قلبه ستسوده القسوة و الطمع و الجشع و الأنانية .
كنت قد بدأت كلماتي عن مهنة الطب و الطبيب لأنه أكثر الناس حاجة لمكارم الأخلاق و الفضيلة و طبائع الإنسانية الحميدة ، و لكن !!. ماذا يحدث إن وجد الطبيب نفسه في سباق مع الزمن على الفيلا و المزرعة و السيارات الفارهة و الخادمة و التحف و الأموال و المفاخرات و المباهاة بين طبقات المجتمع المخملية ؟ إنه خيار صعب فإما أن يتجرد من بعض أنسانيته و يصنع ( إذن من طين و أخرى من عجين ) و يلقي بنفسه في ظلمات الطمع و الجشع و يحجب بصره و بصيرته عن الرأفة و الرحمة و الصدق مع نفسه و مع الله تعالى و إما أن يصدق ما عاهد الله عليه و لا ينتهك عذرية نفسه و مكارم أخلاقه لعرض من أعراض الدنيا يزول بزوالها ، فهو لا يحجب بصيرته فيرى المريض أمامه كيساً من النقود و لا يكون من عصابة مافيا القثطرة و القلب عاشقاً للشبكة في قلب المرض إن كان بحاجتها أم لا ، أو يتلذذ باستئصال اللوزتين ( بنات الأذن ) فهي عملية سهلة و لقمتها سخنة !!. و لا يحجب سمعه عن شكاية المريض و أعراض آلامه فهو قد جاء بقدميه إلى الفخ و الصورة رسمت في مخيلة ملاك الرحمة فيكون الجواب : بدك عملية بسرعة !!.؟
و حتى بالمشافي الحكومية تراه مقطب الجبين عابساً لا تسير أمورك إلا بزيارته بعيادته لترى أنيابه الضاحكة لك ، و لا يصعر خده لفقير قاده حظه العاثر للوقوع بين يديه صدفة أم عن طريق _ الوشيش _ الذي يتقاضى عمولة على كل مريض يأتي به إلى الطبيب الذي يكون قد تفاهم معه مسبقاً ، و هذه ظاهرة جديدة تحدث هذه الأيام و صارت جزء من السباق المادي هذا إن كان بالأصل يستطيع تشخيص المرض أو أن لا ينسى قطعة شاش أو قطن داخل الجسم بعد العملية .
تحدثت مرة مع أحد الأطباء شارحاً له أن أجرة المعاينة و الطبابة باهظة بالنسبة لمعظم الناس الذين هم من ذوي الدخل المحدود .. فرد قائلاً أنه لو أخذ عشرة آلاف ليرة فهو قليل لأنه أفنى عمره في الدراسة ، فيجب أن يتقاضى و يعوض ما فاته من أيام و ما صرفه من مال ، و لكن ما ذنب الفقير غير أنه مرض لتنتقم منه و تخرج أيام عمرك من جيبه و لقمة أولاده .. ربما يجب على الفقير أن لا يمرض .!!؟
بالنهاية من الواجب أن نقول أن هناك من الأطباء من يرفع بهم الرأس بذكرهم ، و تسر القلوب و تُثلج الصدور بتواضعهم و مهاراتهم و رحمتهم بعباد الله و هنا أستذكر قول الرسول الأكرم عليه الصلاة و السلام : ( من لا يَرحم لا يُرحم ) ..؟












